ابن ميثم البحراني

469

شرح نهج البلاغة

إنطاق الجوارح وشهادة النفوس على أنفسها ، وكنّى بالخلوات عمّا يفعل فيها من معاصي اللَّه مجازا ، وإنّما خصّصها لأنّها مظنّة المعصية ، ويحتمل أن يريد بالخلوة مصدر قولك : خلوت خلوا . لا المكان . فيكون حقيقة وظاهرا كونها عيانا للَّه : أي معاينة له ، وكلّ ذلك تحذير وتنفير عن تحريك الجوارح والخلوة بها فيما لا ينبغي من المعاصي . وباللَّه التوفيق والعصمة . 191 - ومن كلام له عليه السّلام واللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي ولَكِنَّهُ يَغْدِرُ ويَفْجُرُ - ولَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ - ولَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ - ولِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - واللَّهِ مَا اُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ ولَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ أقول : الدهاء : استعمال العقل والرأي الجيّد فيما يراد فعله ممّا لا ينبغي مع إظهار إرادة غيره . ويسمّى صاحبه داهيا ، وداهية للمبالغة ، وخبيثا ومكَّارا وحيّالا . وهو داخل تحت رذيلة الجربزة وهي طرف الإفراط من فضيلة الحكمة العمليّة ويستلزم رذائل كثيرة كالكذب . والغدر : هو الرذيلة المقابلة لفضيلة الوفاء بالعهود الَّتي هي ملكة تحت العفّة . والفجور : المقابل لفضيلة العفّة . فقوله عليه السّلام : ما معاوية بأدهى منّى . أي ليس بأقدر منّي على فعل الدهاء ، وأكَّد ذلك بالقسم البارّ . وقوله : ولكنّه يغدر ويفجر . إشارة إلى لوازم الدهاء الَّتي لأجلها تركه وهو الغدر ، وبواسطته الفجور فإنّ الوفاء لمّا كان نوعا تحت العفّة كان الغدر الَّذي هو رذيلته نوعا تحت ما يقابل العفّة وهو الفجور ولذلك نفى الدهاء عن نفسه لكراهيّته للغدر ، ونفيه له عن نفسه